انتقد الباحث داجيم يوهانس ما وصفه بتجاوزات مصرية في التعامل مع الأزمة السودانية، معتبرًا أن القاهرة توظف اتفاقيات الدفاع المشترك ومبادئ السيادة الوطنية ووحدة الأراضي لتكريس نفوذها السياسي والأمني في السودان، بما يخدم مصالحها الإقليمية، وفي مقدمتها الهيمنة على ملف مياه النيل ومواجهة مشروعات دول المنبع، وعلى رأسها سد النهضة الإثيوبي.
وذكر يوهانس في تحليل كتبه موقع هورن ريفيو أن الخطاب المصري بشأن وحدة السودان ورفض الاعتراف بأي كيانات موازية يتجاوز، وفق رؤية الكاتب، حدود التضامن مع الدولة السودانية، ليصبح أداة لدعم طرف بعينه في الحرب، وفرض تصورات القاهرة بشأن مستقبل السلطة في الخرطوم، مستندًا إلى اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة بين البلدين عام 1976.
اتفاقية الدفاع المشترك.. توظيف قانوني لتوسيع النفوذ المصري
أشار الكاتب إلى أن الاجتماع الوزاري المشترك بين المسؤولين المصريين والسودانيين في وزارتي الخارجية والموارد المائية شهد صدور تصريحات مصرية حادة، أكدت رفض الاعتراف بأي «كيانات موازية» في السودان، واعتبرت الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية مصلحة مصرية غير قابلة للتفاوض، مع إعلان استعداد القاهرة لتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 لفرض ما وصفته بـ«الخطوط الحمراء».
ويرى يوهانس أن هذه التصريحات تستند ظاهريًا إلى مبادئ المساواة في السيادة ووحدة الأراضي والدفاع الجماعي، لكنها تخفي، بحسب تحليله، توظيفًا انتقائيًا للقانون الدولي، ومحاولة لتسخير الحرب الأهلية السودانية لخدمة المصالح المصرية وتعزيز نفوذ القاهرة الإقليمي.
وأوضح أن اتفاقيات الدفاع المشترك تختلف في نطاق التزاماتها وفقًا لصياغة كل اتفاقية، إذ تشمل بعضها أوجهًا واسعة من التعاون الأمني، بينما يقتصر بعضها الآخر على مواجهة الاعتداءات المسلحة الخارجية.
وتتمحور اتفاقية الدفاع المشترك المصرية السودانية لعام 1976 حول مبدأ اعتبار أي اعتداء مسلح على أحد الطرفين اعتداءً على الطرف الآخر، بما يفرض التشاور الفوري وتقديم المساعدة المتبادلة، بما يشمل استخدام القوة المسلحة لصد العدوان. كما تنص على إنشاء مؤسسات مشتركة للتنسيق بين البلدين.
غير أن الكاتب يرى أن الاتفاقية لا تمنح، في نصها الظاهر، أي طرف صلاحية التدخل في الترتيبات السياسية الداخلية للطرف الآخر أو إدارة نزاعاته الأهلية. ومن ثم، فإن الاستناد إليها لمواجهة «الكيانات الموازية» أو التهديدات التي تطال المؤسسات السودانية التي تفضلها القاهرة يمثل، بحسب تقديره، توسعًا في تفسير الاتفاقية يتجاوز الغرض الأساسي منها.
وأضاف أن الاستناد السياسي إلى الاتفاقية لا يوفر تلقائيًا أساسًا قانونيًا للتدخل العسكري في النزاع الداخلي السوداني، ولا يمنح شرعية لاستخدام القوة ضد الأطراف السياسية المحلية.
وأشار إلى أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تتناول الحق الأصيل في الدفاع عن النفس عند وقوع اعتداء مسلح، لكنها لا تمنح تلقائيًا شرعية للمطالبات الثنائية الموسعة التي تحول الحرب الأهلية في دولة مجاورة إلى مبرر للتدخل العسكري.
وشدد الكاتب على ضرورة الفصل بين قانونية الاستناد إلى اتفاقية الدفاع المشترك، وقانونية التدخل العسكري في السودان، وقانونية استهداف الأطراف الداخلية، معتبرًا أن الخطاب المصري يخلط بين هذه المسائل الثلاث.
اتفاقية مياه النيل وسد النهضة.. جذور الهيمنة المصرية على السودان
ربط يوهانس بين الموقف المصري الحالي من السودان والاتفاقية الموقعة بين القاهرة والخرطوم بشأن مياه النيل عام 1959، مشيرًا إلى أن الحاكم العسكري السوداني آنذاك، الفريق إبراهيم عبود، وقّع الاتفاقية في القاهرة خلال نوفمبر 1959.
وخصصت الاتفاقية متوسط التدفق السنوي الكامل لمياه النيل عند أسوان، والبالغ 84 مليار متر مكعب، بصورة شبه حصرية لمصر والسودان، إذ حددت حصة مصر عند 55.5 مليار متر مكعب، وحصة السودان عند 18.5 مليار متر مكعب، مع تخصيص نحو 10 مليارات متر مكعب لمواجهة الفاقد الناتج عن التبخر.
واستبعدت الاتفاقية دول المنبع، وفي مقدمتها إثيوبيا، من عملية التفاوض بشأن توزيع المياه، إذ نصت على بحث مطالب هذه الدول بصورة مشتركة بين دولتي المصب، وفي حال قبولها، تُخصم الكميات المطلوبة بالتساوي من حصتي مصر والسودان.
ويرى الكاتب أن قيادة القوات المسلحة السودانية تسير حاليًا على النهج نفسه الذي اتبعه نظام عبود، من خلال إعادة تأكيد الالتزام بأرقام اتفاقية 1959 باعتبارها ثوابت غير قابلة للمساس، والتشديد على أن الأمن المائي المصري والسوداني يمثل «جسدًا واحدًا لا يتجزأ»، إلى جانب رفض أي مشروعات أحادية لدول المنبع، ولا سيما سد النهضة الإثيوبي.
كما تربط القيادة العسكرية السودانية، بحسب التحليل، بين ما تصفه بالخطوط الحمراء السودانية والموقف المصري، تحت مظلة اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976.
وأشار يوهانس إلى أن المرحلتين شهدتا وجود حكام عسكريين في الخرطوم يواجهون ضغوطًا داخلية، ويسعون إلى الحصول على الشرعية والدعم الخارجيين، مقابل تقديم تنازلات تتعلق باستقلالية القرار المائي السوداني على المدى الطويل.
وأضاف أن الفارق بين المرحلتين يتمثل في أن نظام عبود حصل على حصة رسمية أكبر للسودان وبعض التعويضات، بينما يبدو الموقف الحالي للقيادة العسكرية أكثر ارتباطًا بالخطاب الأمني المصري، وأقل استعدادًا لإظهار استقلالية في التفاوض.
واعتبر أن هذا النهج يجعل السودان أسيرًا لإطار ثنائي يضع مصالحه المائية ضمن الحسابات الاستراتيجية المصرية، رغم استمرار الخطاب الرسمي السوداني في التأكيد على الدفاع عن السيادة الوطنية.
وفي سياق متصل، انتقد الكاتب الموقف المصري الرافض بصورة مطلقة للاعتراف بالكيانات الموازية في السودان، معتبرًا أن القاهرة لا تدافع بالضرورة عن وحدة الدولة ومؤسساتها بصورة محايدة، بل تدعم فصيلًا محددًا في الصراع.
وأشار إلى أن مصر توفر، وفق تحليله، غطاءً سياسيًا وحماية دبلوماسية ودعمًا ذا صلة بالمؤسسة العسكرية لأحد طرفي الحرب، بينما تتعامل مع مراكز القوى البديلة، سواء المرتبطة بقوات الدعم السريع أو القوى المدنية، باعتبارها تهديدًا وجوديًا.
وأضاف أن عمليات التسوية السياسية الشاملة التي قد يرعاها الاتحاد الإفريقي أو الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية «إيجاد» تخضع، بحسب رؤيته، لشرط مسبق يتمثل في الحفاظ على المؤسسات التي تحظى بقبول القاهرة.
ويرى أن هذا النهج لا يمثل حماية محايدة لوحدة الأراضي السودانية، بل يحول استمرارية مؤسسات الدولة إلى أداة لتعزيز النفوذ المصري، بما يؤدي إلى تعقيد الحرب وتأخير التعامل السياسي مع واقع الانقسام وتعدد مراكز السلطة على الأرض.
الضربات الجوية على مناجم الذهب والتدخلات الإقليمية
انتقل التحليل إلى الضربات الجوية التي استهدفت مواقع التعدين الأهلي للذهب قرب الحدود المصرية السودانية، معتبرًا أنها تكشف، بحسب وصف الكاتب، عن الجانب العملي للسياسة الأمنية المصرية الأحادية.
وأشار يوهانس إلى أن طائرات عسكرية مصرية شنت، في 10 أكتوبر 2026، غارات على مخيمات في منطقة شمال الوادي وجبل العقيدات، ما أسفر عن مقتل 72 من عمال مناجم الذهب السودانيين على الأقل، وفقًا لمنظمة «محامو الطوارئ»، بينما رفعت تقارير أخرى حصيلة القتلى إلى أكثر من 100 شخص.
ونقل الكاتب عن ناجين من الهجمات قولهم إن الطائرات نفذت ضربات متكررة استهدفت حفر التعدين ومساكن العاملين، بالتزامن مع إعلان الجيش المصري استمرار عملياته ضد أنشطة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية والمناطق الحدودية، وتأكيد مصادر أمنية مصرية ضرورة إنهاء حالة الفوضى على الحدود.
واعتبر أن هذه الهجمات لا تمثل واقعة منفردة، بل تندرج ضمن نمط من العمليات العسكرية العابرة للحدود. وأضاف أن استهداف المنقبين، وكثير منهم نازحون بسبب الحرب ويعتمدون على التعدين لتوفير احتياجاتهم المعيشية في المناطق الحدودية، يتناقض، بحسب تقديره، مع الخطاب المصري بشأن حماية المدنيين السودانيين والحفاظ على مؤسسات الدولة.
ورأى أن استخدام القوة المسلحة ضد هؤلاء العاملين يعكس محاولة لفرض السيطرة على مناطق وموارد متنازع عليها، بدلًا من الالتزام بمفهوم الدفاع الجماعي الذي تستند إليه القاهرة في تبرير مواقفها.
وأكد الكاتب أن السيطرة على مياه النيل تظل أولوية مصرية أساسية وراء خطاب التضامن مع السودان، مشيرًا إلى أن اصطفاف القاهرة مع المؤسسة العسكرية السودانية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحملتها المستمرة لمواجهة مشروعات دول المنبع، وفي مقدمتها سد النهضة الإثيوبي، ورفض أي تحول نحو ترتيبات أكثر إنصافًا لتقاسم المياه.
وأوضح أن وجود حكومة سودانية مرتبطة بالقاهرة من خلال اتفاقيات أمنية يوفر لمصر حاجزًا سياسيًا وجغرافيًا في مواجهة دول المنبع، فضلًا عن تعزيز موقفها التفاوضي بشأن النيل. وبذلك، تتحول الحرب الأهلية السودانية، وفقًا للتحليل، إلى فرصة لتوسيع النفوذ المصري، واستغلال معاناة السكان وانهيار المؤسسات والخطاب المتعلق بالسيادة لإبقاء السودان ضمن دائرة النفوذ الجيوسياسي المصري.
كما انتقد يوهانس إدانة القاهرة للتدخلات الخارجية، ولا سيما الاتهامات المتعلقة باستخدام أراضي دول مجاورة لتنفيذ عمليات بالطائرات المسيرة، معتبرًا أن هذا الموقف يفتقر إلى الاتساق مع ما وصفه بتقديم مصر غطاءً سياسيًا ودعمًا فنيًا ذا طابع عسكري، وتعزيز وجودها قرب الحدود، وتنفيذ ضربات ضد المنقبين، إلى جانب التهديد الصريح بالتدخل لصالح أحد أطراف الحرب.
وأضاف أن المبدأ الذي تدافع عنه القاهرة، بحسب رؤيته، لا يقوم على رفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بل على احتكار هذا التدخل، بحيث يُنظر إلى الدور المصري وحده باعتباره مشروعًا ومقبولًا.
وحذر من أن استمرار هذا النهج قد يؤدي إلى زيادة عسكرة منطقة القرن الإفريقي وممر البحر الأحمر، في ظل تداخل المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية للقوى الإقليمية.
واختتم يوهانس تحليله بالقول إن السياسة المصرية الحالية لا تقتصر على الدفاع عن سيادة السودان، بل تعكس، وفق تقييمه، توسعًا في النفوذ من خلال إعادة تفسير الاتفاقيات القانونية، والتطبيق الانتقائي لمبادئ السيادة، واستخدام القوة خارج الأطر القضائية ضد المدنيين، وإخضاع الخيارات السياسية السودانية للمتطلبات الاستراتيجية المصرية، وفي مقدمتها السيطرة على ملف مياه النيل.
وأكد أن اتفاقية الدفاع المشترك لعام 1976 يجري توظيفها، بحسب رأيه، بما يتجاوز نطاقها الأصلي، وأن «الخطوط الحمراء» المصرية لا تستهدف حماية وحدة الأراضي السودانية بصورة مجردة، وإنما الحفاظ على ترتيبات سياسية تخدم مصالح القاهرة.
وشدد على أن السودان صاحب السيادة الحقيقية ينبغي أن يمتلك حرية تحديد مستقبله السياسي دون أن تفرض عليه عاصمة مجاورة حق النقض استنادًا إلى اتفاقية ثنائية، أو تشن ضربات جوية تستهدف الفئات السكانية الأكثر ضعفًا.
واعتبر أن استمرار مصر في التعامل مع نتائج الصراع الداخلي السوداني باعتبارها شأنًا من شؤون أمنها القومي سيبقي خطاب التضامن بين البلدين، وفق وصفه، مجرد غطاء للهيمنة والنفوذ.
https://hornreview.org/2026/11/07/deconstructing-cairos-hegemonic-overreach-in-sudan/

